العيني
191
عمدة القاري
المرأة حسن التدبير في بيت زوجها والنصح له والأمانة في ماله وفي نفسها ، ورعاية الخادم لسيده حفظ ما في يده من ماله والقيام بما يستحق من خدمته ، والرجل ليس له بإمام ولا له أهل ولا خادم يراعي أصحابه وأصدقاءه بحسن المعاشرة على منهج الصواب . فإن قيل : إذا كان كل من هؤلاء راعياد فمن المرعي ؟ أجيب : هو أعضاء نفسه وجوارحه وقواه وحواسه ، أو الراعي يكون مرعيا باعتبار أمر آخر ، ككون الشخص مرعيا للإمام راعيا لأهله ، أو الخطاب خاص بأصحاب التصرفات ومن تحت نظره ما عليه إصلاح حاله . قوله : ( قال : وحسبت ) فاعل قال يونس بن يزيد المذكور فيه ، كذا قاله الكرماني جزما ، والظاهر أن فاعله : سالم بن عبد الله الراوي ، وكلمة : أن مخففة من المثقلة ، والتقدير : وحسبت أنه ، أي : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قد قال : ( والرجل راع في مال أبيه . . ) إلى آخره ، ثم في هذا الموضع من النكتة أنه : عمم أولاً ثم خصص ثانيا ، وقسم الخصوصية إلى أقسام من جهة الرجل ومن جهة المرأة ومن جهة الخادم ومن جهة النسب ، ثم عمم ثانيا وهو قوله : ( وكلكم راع . . ) إلى آخره تأكيدا ، وردا للعجز إلى الصدر بيانا لعموم الحكم أولاً وآخرا . ذكر ما يستفاد منه : وهو على وجوه : الأول : قال صاحب ( التوضيح ) : إيراد البخاري هذا الحديث لأجل أن أيلة إما مدينة أو قرية ، وقد ترجم لهما . قلت : المشهور عند الجمهور أنها مدينة كما ذكرناه ، ولا وجه للتردد فيها ، وقد ذكر البخاري الباب بترجمتين ، بقوله : في القرى والمدن ، وذكر فيه حديثين : الأول : منهما مطابق للترجمة الأولى على زعمه ، والثاني : مطابق للترجمة الثانية ، وكلام صاحب ( التوضيح ) لا طائل تحته . الثاني : قال بعضهم : في هذه القصة يعني القصة المذكورة في الحديث إيماء إلى أن الجمعة تنعقد بغير إذن من السلطان إذا كان في القوم من يقوم بمصالحهم . قلت : الذي يقوم بمصالح القوم هو المولى عليهم من جهة السلطان ، ومن كان مولى من جهة السلطان كان مأذونا بإقامة الجمعة لأنها من أكبر مصالحهم ، والعجب من هذا القائل أنه يستدل على عدم إذن السلطان لإقامة الجمعة بالإيماء ، ويترك ما دل على ذلك حديث جابر أخرجه ابن ماجة وفيه : ( من تركها في حياتي أو بعدي وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها وجحودا لها فلا جمع الله شمله ، ولا بارك له في أمره ، ألا ولا صلاة له ولا زكاة له ولا حج له ولا صوم له ولا بر له ) . الحديث ، ورواه البزار أيضا ورواه الطبراني في ( الأوسط ) : عن ابن عمر مثله ، فإن قلت : في سند ابن ماجة : عبد الله بن محمد العدوي ، وفي سند البزار : علي بن زيد بن جدعان ، وكلاهما متكلم فيه ؟ قلت : إذا روي الحديث من طرق ووجوه مختلفة تحصل له قوة ، فلا يمنع من الاحتجاج به ، ولا سيما اعتضد بحديث ابن عمر ، والقائل المذكور أشار بقوله إلى قول الشافعي ، فإن عنده إذن السلطان ليس بشرط لصحة الجمعة ، ولكن السنة أن لا تقام إلا بإذن السلطان ، وبه قال مالك وأحمد في رواية ، وعن أحمد أنه شرط كمذهبنا ، واحتجوا بما روي أن عثمان ، رضي الله تعالى عنه لما كان محصورا بالمدينة صلى علي ، رضي الله تعالى عنه ، الجمعة بالناس ، ولم يرو أنه صلى بأمر عثمان ، وكان الأمر بيده . قلنا هذا الاحتجاج ساقط لأنه يحتمل أن عليا فعل ذلك بأمره ، أو كان لم يتوصل إلى إذن عثمان ، ونحن أيضا نقول : إذا لم يتوصل إلى إذن الإمام فللناس أن يجتمعوا ويقدموا من يصلي بهم ، فمن أين علم أن عليا فعل ذلك بلا إذن عثمان ، وهو بحيث يتوصل إلى إذنه ؟ وقال ابن المنذر : مضت السنة بأن الذي يقيم الجمعة السلطان أو من قام بها بأمره ، فإذا لم يكن ذلك صلوا الظهر . وقال الحسن البصري : أربع إلى السلطان ، فذكر منها الجمعة . وقال حبيب بن أبي ثابت : لا تكون الجمعة إلاّ بأمير وخطبة ، وهو قول الأوزاعي ومحمد بن مسلمة ويحيى بن عمر المالكي وعن مالك : إذا تقدم رجل بغير إذن الإمام لم يجزهم ، وذكر صاحب ( البيان ) قولاً قديما للشافعي : أنها لا تصح إلاّ خلف السلطان أو من أذن له . وعن أبي يوسف : إن لصاحب الشرطة أن يصلي بهم دون القاضي ، وقيل : يصلي القاضي . الثالث : قال بعضهم : في الحديث إقامة الجمعة في القرى خلافا لمن شرط لها المدن ؟ قلت : لا دليل على ذلك أصلاً لأنه إن كان يدعى بذلك بنفس الحديث المتصل فلا يقوم به حجة ، ولا يتم . وإن كان يدعي بكتاب ابن شهاب يأمر فيه لرزيق بن حكيم بأن يجمع فلا تتم به حجته أيضا ، لأنه من أين علم أنه أمر بذلك ؟ سواء كان في قرية أو مدينة ؟ فإن قال : رزيق كان عاملاً على أرض يعملها ، وكان فيها جماعة من السودان وغيرهم ، وليس هذا إلاّ قرية ، فلا يتم به استدلاله أيضا ، لأن الموضع المذكور صار حكمه حكم المدينة بوجود المتولي عليهم من جهة الإمام ، وقد قلنا فيما مضى : إن